فوزي آل سيف

53

الأعظم بركة الإمام محمد الجواد

قال: إن سارقاً أقر على نفسه بالسرقة وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحد عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه وقد أحضر محمد بن علي، فسألنا عن القطع في أي موضع يجب أن يقطع؟ قال: فقلت من الكرسوع. قال: وما الحجة في ذلك؟ قال قلت: لأن اليد هي الأصابع والكف إلى الكرسوع. لقول الله في التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}[116]. واتفق معي على ذلك قوم. وقال آخرون: بل يجب القطع من المرفق. قال وما الدليل على ذلك؟ قالوا: لأن الله لما قال:{وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} في الغسل، دل ذلك على أن حد اليد هو المرفق. قال: فالتفت إلى محمد بن علي فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ فقال: قد تكلم القوم فيه يا أمير المؤمنين. قال: دعني مما تكلموا به، أي شيء عندك؟ قال: أعفني عن هذا يا أمير المؤمنين. قال: أقسمت عليك بالله لما أخبرت بما عندك فيه. فقال: أما إذا أقسمت عليَّ بالله، إني أقول: إنهم أخطأوا فيه السنة فإن القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع، فيترك الكف. قال: وما الحجة في ذلك؟ قال: قول رسول الله صلى الله عليه وآله: السجود على سبعة أعضاء الوجه واليدين والركبتين والرجلين. فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها. وقال الله تبارك وتعالى:{وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ}[117]، يعنى به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها، {فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا}، وما كان لله لم يقطع. قال: فأعجب المعتصم ذلك، وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع، دون الكف. قال ابن أبي دؤاد: قامت قيامتي وتمنيت أني لم أك حياً! قال زُرقان: إنّ ابن أبي دؤاد قال: صرت إلى المعتصم بعد ثلاثة (أيام)، فقلت: إنّ نصيحة أمير المؤمنين عليَّ واجبة، وأنا أكلمه بما أعلم أني أدخل به النار! قال: وما هو؟ قلت: إذا جمع أمير المؤمنين من مجلسه فقهاء رعيته وعلماءهم لأمر واقع من أمور الدين، فسألهم عن الحكم فيه، فأخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك، وقد حضر المجلس أهل بيته وقواده ووزرائه وكتابه، وقد تسامع الناس بذلك من وراء بابه، ثم يترك أقاويلهم كلهم لقول رجل يقول شطر هذه الأمة بإمامته، ويدعون أنه أولى منه بمقامه، ثم يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء[118]؟!

--> 116 سورة المائدة: 6 117 سورة الجن:18 118 هذا الأمر مفهوم في أجواء أهل الحكم والدنيا فتآمر بعضهم على بعض من أجل إظهار أنه أحرص على الخليفة والخلافة من غيره، وما يترتب عليه من تقريبه وإعطائه المناصب، وقد فعل ابن أبي دؤاد هذا مع غيره بل ممن قربه إلى قصور الخلفاء وهو يحيى بن أكثم، ومع الزيات محمد بن عبد الملك البغدادي المعروف بابن الزيات، الذي اتصل بالمعتصم فرفع من قدره ووسمه بالوزارة، وكان يرى رأي الاعتزال، وكان بينه وبين أحمد بن أبي داود القاضي عداوة شديدة فأغرى ابن أبي داود المتوكل عليه حتى قبض عليه وأدخله في تنور من الحديد فيه مسامير ليعذب فيه إلى أن مات في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.. مختصرا عن السمعاني في الأنساب ٣/١٨٣